
مِن أنفَسِ الأوقاتِ الّتي يَنبغي أن يَستثمرَها المُربّي مع مَن حولَه – وخاصةً الأبناءَ والإخوةَ وغيرَهم – تِلك الأوقاتُ الّتي يَسهُلُ فيها بَثُّ المعاني، وتَلَقّي القِيم، وتَصفو فيها النُّفوسُ للسَّماع.
ومِن أَجملِها حقيقةً – وهي ذاتُ أثرٍ كبيرٍ جدًّا – أوقاتُ إيصالِ الأولادِ إلى المدرسة، أو استِقبالِهم منها، أو خروجِهم في الحوائجِ والمهمّات والسفر والترويح؛ فهذه أوقاتٌ تُروى فيها الأخبارُ والقصصُ، وتُذكرُ فيها الأمورُ المؤثِّرةُ في نشأةِ الصِّغار. وقبلَ التوجيهِ والإرشادِ يكونُ الإصغاءُ إليهم أولى؛ لأنّهم يُفصحون عمّا يَشغلُ فِكرَهم، أو عمّا عندهم مِن معرفة، فيكونُ مبدأُ الحديثِ مِن جهتِهم، لا مُلقىً عليهم.
وهنا أسردُ لكم الحكايةَ الّتي دارت بيني وبين الأولاد؛ لتكونَ بين أيدينا نموذجًا نقيسُ عليه كيفيّةَ سردِ القصصِ والأحداثِ للأبناء، وكيف نَنتفعُ مِن وقائعِها.
خرجتُ بالأولادِ إلى المدرسة، وسبحانَ اللهِ العظيم، وفي الطريق قلتُ للّذين شهدوا معي الصلاة: بِماذا صلّى بنا الإمامُ الفجرَ؟ فذكروا ما قرأ في الركعةِ الثانية: سُورةَ الأعلى؛ لأنّهم لم يَتذكروا ما قرأ في الركعةِ الأولى. فقلتُ لهم: سأقصُّ عليكم قصّةً تتعلّق بما قرأ الإمامُ اليوم.
وكان قد قرأ في الركعةِ الأولى سُورةَ الإسراءِ، وأنا أحكيها لكم – أيّها السادة – على النسقِ الذي حكيتُه لهم؛ لتكونَ مثالًا يُستبانُ به طريقُ إيصالِ الفكرةِ والقيمِ التربويّةِ إلى فلذاتِ الأكباد.
ثم قلتُ لهم: هذه السورةُ عظيمةٌ جدًّا؛ مكيّةٌ، وتُسمّى أيضًا سُورةَ بني إسرائيل لِما اشتملت عليه من أخبارِهم وقصصهم، وفيها قواعدُ جليلةٌ كثيرة. فاسمعوا هذه الحكايةَ المتعلّقةَ بها.
ولِمَ أُخبرُكم يا أبنائي بهذه القصّة؟ فقالت لي “الفيلسوفة” فاطمة – اللهُ يعطيها العافية – : نَعَم يا أبي، تخبرنا بها لأن ليلةُ الإسراءِ كانت بالأمس.
فقلتُ: واللهِ يا بُنَيّتي ما علمتُ أنّها ليلةُ الإسراءِ، غيرَ أنّ الإمام قرأها.
فقالت: يا أبي، يذكر الناسُ صلاةً في ليلةِ الإسراءِ، ويقولون إنّ اللهَ يُفرّجُ عنك إذا صليتها، وقد فرّجَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
فقلتُ: يا بُنَيّتي، هذا كلُّه لم يَثبُت عن النبيّ عليه الصلاة والسلام. والحدثُ كان في العهدِ المكّي، والحديثُ كان في سياقٍ مكّيّ، ثم إنّ العلماءَ مختلفون في تحديد زمن الإسراء: أكان في هذه الليلة أم في غيرها؟ ودائمًا يا بُنَيّتي، ليس العِبرةُ بتعيين تاريخِ الواقعة، وإنّما العِبرةُ بما فيها من الدروس؛ فهذا تاريخٌ سواءٌ وافق هذا الوقت أو خالفه، والآن، اسمعوا القصّة.
قد قرأ الإمامُ سُورةَ الإسراءِ، وعنوانُ القصّةِ الّتي أُحدّثكم بها أُريدُكم أن تحفظوه. عنوانُها يا أبنائي: (صديقُك الّذي يُصدّقُك في وقتِ صدقِك وضيقِك). فالصديقُ الحقُّ هو الّذي يُصدّقُك في الشدائدِ إذا كنتَ صادقًا؛ فإن لم يُصدّقك صاحبُك أو صديقُك وأنت صادق، فليس بصاحب. فلا تُصاحب إلّا صادقًا يُصدّقُك؛ فهذا عنوانُ الحكاية.
ثم قلتُ لهم: أُسريَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والإسراءُ أن يسيرَ الإنسانُ ليلًا. فأُسريَ به من مكّةَ (المسجدِ الحرام) إلى بيتِ المقدسِ بفلسطين (المسجدِ الأقصى). وهذا – يا أبنائي – يمكن أن يُتصوَّر اليوم من جهةِ المسافة؛ فإنّ ما بين مكّةَ وبيتِ المقدسِ مسافةٌ يقطعها الطائرُ في نحوِ ساعتين. أمّا في ذاك الزمان فلم تكن هذه الوسائل، فكان ذلك عندهم أمرًا مستحيلًا، ولا يكاد يُتصوَّر لعدم وجود الطائرات.
لكن جبريلَ عليه الصلاة والسلام جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه “البراق” -والبُراق دابّةُ ركوبٍ بيضاءُ شديدةُ السرعة، تبلغ خُطوتها مدى البصر-، فركِبوها، وذهبوا إلى بيتِ المقدس، ثم كان المعراجُ إلى السماوات، ثم رجعوا.
وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم مهمومًا حزينًا منطويًا، لا يدري كيف يُبلّغ الخبرَ لقريش؛ لأنّ عقولَ الناس لا تُصدّق، ولذلك العاقل – يا أبنائي – لا يُحدّث بكلّ ما يعلم؛ فقد يكون الخبرُ صادقًا ولا يُصدّقه أحد.
فالنبيّ عليه الصلاة والسلام الآن حزين! كيف يُخبرُهم؟ وبينما هو جالسٌ حزينٌ بشدة، متّكئٌ عند الكعبة، مرَّ عليه أبو جهل. وأبو جهل هو عمروُ بنُ هشام. وكان النبيّ عليه الصلاة والسلام يدعوه – إن شاءَ اللهُ عزّ وجلّ أن يرزقَه الإسلام هو أو عمر – لِما له من وزنٍ وثِقَل، وكان في العرب حكيمًا يُلقّبونه “أبا الحكم”. وكان ممّا يُتوقَّع أن يكون أوّلَ مَن يُصدّق النبيَّ عليه الصلاة والسلام لحكمتِه وعقلِه، لكنّه كذّبه حسدًا من نفسِه، فصدق عليه لقبُ “أبي جهل“.
فمرَّ وجلس عند النبيّ عليه الصلاة والسلام، ورأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حزينًا جالسًا مع نفسِه، سارحَ الذهن. وأعداؤك إذا رأوك في حزنٍ فرِحوا؛ فلذلك قد يَحسُن بالإنسانِ أحيانًا أن يَكتمَ حزنَه ليَعرِف عقولَ من حوله
فقال له: هل كان من شيء جديدٍ يا محمد؟.
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم بكلّ قوّةٍ وثقة: نعم.
قال: وما هو؟
قال: «أُسريتُ إلى بيتِ المقدس».
قال أبو جهل: وأصبحتَ بين ظهرانينا؟
أي: ذهبتَ ثم أصبحتَ معنا جالسًا؟
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم بيقين: نعم.
وكان أبو جهلٍ ذكيًّا؛ فخاف أن يَجحد النبيُّ عليه الصلاة والسلام إن هو نقل الخبر عنه أمام الناس،
فقال: “يا ابنَ أخي، لو دعوتُ قومَك أتُحدّثهم بما حدّثتني به؟”
أي: أتُخبرهم بما أخبرتني؟. ووجهُ فطنته وذكائه أنّه خشي أن يُكذّب
لو قال: يا معشرَ قريشٍ إنّ محمدًا يقول كذا وكذا، ثم سألوا النبيَّ عليه الصلاة والسلام فأنكر، لكان أبو جهلٍ عندهم كذّابًا.
ومثلُ ذلك – لتقريب الصورة – لو قالت فاطمةُ لكم: “إنّ أبي قال: سأُخرجكم في نُزهة“، ثم سألتموني فقلتُ: “لم أقل ذلك“، فعلى مَن يقع الكذب؟ الجواب: يقع عليها، فتكون فاطمة كاذبة عندكم.
ففعل أبو جهلٍ ذلك لحكمته ودهائه، فقال: “هل أنت مُحدِّثٌ قومَك بهذا الحديث إن دعوتُهم؟” فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: “نعم“. فدعاهم، ثم قال: “حدّثهم، اسمعوا من محمدٍ ماذا يقول“. ولم يتصدّر أبو جهلٍ الكلامَ بنفسِه.
فيا أبنائي، لا تتكلّموا بلسانِ غيركم، بل اجعلوا صاحبَ الخبرِ يتكلّم، وصاحبَ الشأنِ يتحدّث؛ ولا تَستعجلوا أن تقولوا: “قال فلانٌ كذا وكذا” وهو حاضر، فإن قال: “لم أقل“، وقعتَ في حرج.
فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أُسريتُ إلى بيتِ المقدس. فقالوا: وأصبحتَ بين ظهرانينا؟ كما قال أبو جهل. قال: نعم. فمِنهم من صَفّق، ومِنهم من وضع يدَه على فمِه، ومِنهم من وضع يدَه على رأسِه… تعبيرًا عن إنكارٍ شديدٍ.
فتعجّبت قريش، وتعجّبت العرب. غير أنّ العربَ كانوا عقلاء؛ لا يَستعجلون في التصديق والتكذيب، وهم يعرفون صدقَ محمد، لكنّ هذا الخبرَ عندهم لا يَدخلُ العقل
فماذا صنعوا؟ أرادوا أن يُلزموا النبيَّ عليه الصلاة والسلام بما يَعجِز عنه، فقالوا: “أتستطيع أن تَنعَت لنا – أو تصف لنا – المسجدَ الأقصى؟” ولماذا قالوا ذلك؟ لأنّ منهم من سافر إلى تلك البلاد ورأى المسجد، والعاقلُ لا يُسلّم لكلّ خبرٍ حتى يطلب الحجّة والدليل والبرهان
قالوا: أفتصف لنا بيتَ المقدس وتُخبرنا عنه؟. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: نعم. فأتى جبريلُ ببيتِ المقدس، فوضعه بين يديه في دارِ عقيل.
وهذا – يا أبنائي – يمكن أن يُتصوّر اليوم؛ فقد تُجري اتصالًا مرئيًّا مع رجلٍ في بيتِ المقدس، أو تتواصل معه عبر تطبيقات الاتصال (بوتيم أو غيره)، فيُريَك المكانَ بالكاميرا وأنت في صفّك أو مدرستك. ألم يكن عمُّكم مسافرًا، وكنتم تُكلّمونه وهو في مكّة وأنتم هنا، كأنّه معكم؟
قلت: فهذا متصوّر. فإذا كان هذا مما يبلغه الناسُ بتقنياتِهم، فكيف بالذي خلق السماوات والأرض؟ واللهُ عزّ وجلّ على كلّ شيءٍ قدير، لا يعجزه شيء. وكم من أشياءَ كانت تُعدّ مستحيلةً قبل خمسين سنة، بل قبل عشرين سنة في أوائل الألفين، لم يكن يُتصوّر أن تُكلّم إنسانًا في بلدٍ آخر فتراه صوتًا وصورة؛ واليوم تُدرّس جامعاتٌ عن بُعد.
فوصف النبيّ صلى الله عليه وسلم المسجدَ حين وضع له جبريل المسجد بين يديه، فقالوا: “أمّا النعتُ والوصفُ فصادق“. والنبيُّ عليه الصلاة والسلام ما ذهب إلى بيتِ المقدس قطّ، وهم يعلمون ذلك.
فهنا يَظهر شأنُ الدليلِ والبرهان: فالإنسانُ يتكلّم بالحجّة والبرهان والمنطق؛ فإن لم يكن عندك دليلٌ وبرهانٌ وحجّةٌ ومنطق – ولو كنت صادقًا – فلا تتكلم، فإنّ الناس تُكذّبك. وجاء في الأثر: “ما أنت بمحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولُهم إلّا كان لبعضِهم فتنة“.
ثم ذهبوا إلى أبي بكرٍ الصدّيق رضي الله عنه، يَشكون: وصفُ النبيّ للمسجد صادق، وادّعاؤه عندهم كاذب. ووجدوا في ذلك منفذًا؛ إذ قالوا: إن أنكر أبو بكرٍ – وهو راجحُ العقل – اضطرب أناسٌ كثيرون. فأتوه فأخبروه، فقال لهم بكلّ بساطة: ” لَئِنْ كانَ قالَ ذلكَ لَقَدْ صَدَقَ“. قالوا: “نعم“. قال: ” لَئِنْ كانَ قالَ ذلكَ لَقَدْ صَدَقَ“. فسُمّي عند ذلك: أبو بكرٍ الصدّيق.
فصديقُك الّذي يُصدّقك في صدقِك، وفي وقتِ ضيقِك، فإيّاكم أن تُصاحبوا إلّا صادقًا
إذن هذا هو وجهُ الاستثمار: كيف تجعلُ الحوادثَ اليوميّةَ مادّةً للقصص، وكيف تُؤتى المعاني في ثوبِ الوقائع. ومِن أعظمِ طرقِ التأثيرِ في الكبار القصص؛ فكيف بالصغار؟ القصصُ تَنحَت العقول، وهذا معروف. وتجدون أنّ الأجانب يعتنون بالقصصٍ للصغار قبل النوم، ونحن عندنا القصصُ قبل ذلك في الوحي: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فهذا نموذجٌ في سردِ الأحداث والوقائع والعقائد. وقضيةُ الإسراءِ والمعراجِ قضيةٌ أساسيّةٌ قرآنيّةٌ عقديّة
وهكذا تُستثمرُ الأحداث: وتُسردُ للصغار القصص، وتُغرسُ فيهم قواعدُ الإيمان والتربية الّتي تُنمّي عقولَهم وتنفعُهم.
وسبحانَ الله، في سُورةِ الإسراءِ قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}، ومن القتلِ المعنويّ: تجهيلُ الأولاد، وتركُ تعليمِهم مهاراتِ الحياة، وتركُ القصصِ لهم، وتركُ تربيتِهم وتوجيهِهم.
ولا تكفي الموادُّ الّتي يدرسونها في المدارس؛ فإنّها تُخرِّج من يَقرأ ويكتب، وتُهيّئ من يدخل الجامعةَ ليعمل، أمّا روحُ الحياة وفلسفتُها، ونظرتُها، ومهاراتُها: فهنا يَظهر دورُ الوالدين والمربّين ومن حولهم. فالمدرسةُ معلوماتٌ في الجملة: لا تُعلّمك كيف تتعامل مع مشكلتك، ولا كيف تُدير الخلافَ مع صديقك أو أخيك، ولا كيف تقومُ على قدميك إذا عثرتَ وسقطت.
وعلى العموم، هذه كانت قصّةً صباحيّةً سرديّة؛ أرجو أن تَنتفعوا بها، وأن تَغتنموا ما يَعرض لكم من أحداث، فتُحسنوا توظيفَها في إيصالِ الرسائلِ الحسنةِ الإيجابيّةِ المتعلّقةِ بتربيةِ الأبناء.
No Comments