
ناموس الاستشارة
الله يريحك عندي استشارة؛ فتحملني، أنا تعبان ومهموم، وأشعر بالكرب والضيق، ومش عارف ويش أعمل، شو تنصحني، كيف توجهني، أحببت بنتًا من المعارف من تسع سنوات، وأنا في الصف الحادي عشر، واندفعت وذهبت لأبيها وكلمته أخطبها والزواج منها، وكان أبوها عاقلاً فوافق بشرط إنهاء الثانوية العامة والجامعة ثم العمل، وهناك تواصل مع البنت، وكنت أقطع التواصل كل فترة، وسويت لها بلوك الفترة الأخيرة، حتى لا أتأثم ولا اتأثر، وبنفس الوقت أرتاح من ضغط المشكلة مع الوالدين، فهما رافضين قطعًا الزواج من هذه البنت لأسباب غير مقنعة وحجج واهية، وأعذار غير صحيحة، وسألت بعض الفضلاء هل للوالدين حق الرفض من زواجي من غير سبب، وهل أنا لو خالفتهم أكون عاق للوالدين ولا أتوفق، كلمت بعض الذين لهم قدر ومكانة عند أبي وأمي ولكن الوالدين رفضوا شفاعتهم وتوسطهم، وأنا متعلق بالبنت، وصارت حياتي متوقفة، وكرهت الوالدين؛ فما الحل وكيف تستطيع مساعدتي؟
– كم عمرك اليوم؟
– قال: 25 سنة
– هل أنهيت الدراسة والجامعة؟
– قال: نعم
– هل تعمل؟
– قال: لا، ولكن في شهر 10 أو 11 بداوم وأباشر العمل.
– هل باشرت الفحوصات الطبية وتوقيع أوراق العقد، وانتهيت من وثيقة التعارف الرسمية للعمل؟
– قال: لا
– الطيب فإذا لم تقبل بالعمل خلال السنة أو السنتين أو خمس السنوات أو ثلاث السنوات، كما الحال بهذه الساعة التي تكلمني فيه، فماذا ستفعل؟
– قال: ما أعرف.
– هل والد البنت سيزوجك اليوم لو ذهبت إليه من غير عمل؟
– قال: لا
– هل عندك إمكانية وقدرة أن تتزوج اليوم ومستعد؟
– قال: لا
– هل عندك من يتكفل بزواجك منها؟
– قال: لا
– هل والديك يرضون من زواجها ويزوجونك؟
– قال: لا
– هل يرضى والد البنت بأن يزوجك بلا أهلك؟
– قال: لا
– هل يمكن زواجك منها بالمحكمة بلا ولي ورضا أهلها؟
– قال: لا
– هل البنت ستقبلك وتقلل شأنها وقدر أهلها عند عدم حضور أهلك معك للتقدم لها؟
– قال: لا
– هل أنت مستعد أن تقلل شأنك وتحرج نفسك وتذهب لوحدك فيردك الوالد ويقول أبشر بس تعال بأهلك؟
– قال: لا
– هل ترضى لنفسك المهانة أن تتقدم وأنت بهذا الوضع والزواج من فتاة تحبها بلا عمل وبلا أهلك وعدم وجود إمكانية مادية؟
– قال: لا.
– هل أنت أخترت أمك التي أنجبتك؟
– قال: لا
– هل تعلم علم اليقين من هي أم عيالك في المستقبل؟
– قال: لا
– هل تؤمن بأن رزقك كُتب لك في أول أربع شهور ببطن أمك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه نطفة أربعين يوما، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيها الروح، ويبعث إليه ملك ويؤمر بكتابة أربع كلمات: شقي وسعيد وعمله ورزقه ” ؟
– قال: نعم
– وأن هذه المرأة لو كانت رزقك وأم عيالك لا يمنعها عنك أحد، ولو اجتمع الجن والإنس، وأنه إذا لم تكن هذه أم عيالك عند الله عز وجل فلن تتزوجها، هل تؤمن ذلك؟
– قال: نعم
– هل تؤمن أن العطاء والمنع من الله؟ وهل تعتقد صحة الدعاء ” اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ”
– قال: نعم
– هل تظن أن عيالك هم الذين يختارون أمهم منك؟
– قال: لا
– فإن كنت تعلم، فأين عقلك؟ أين تفكيرك؟ أين فهمك؟ جامعي 25 سنة من العمر وغير ناضج ولا فاهم الحياة ولا فاهم نفسك
– لماذا تعذب نفسك؟ لماذا تحجر نفسك بنفسك؟ لماذا تتعلق بشيء هو اليوم معدوم ولا يمكن تحقيقه؟ ولا فرق بين وجودها وبين لو كانت هي ميتة أو معدومة.
– هل تستحق نفسك أن تعذبها لأي أحد سواء كان أب أو أم أو حرمة أو إخوانك أو عيالك؟ لا احد يستحق أن تفدي نفسك له الا خالقها، ربك سبحانه وتعالى فقط، قال الله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }
– ابحث لنفسك عملا وأعمل وأشغل وقتك، وطور مهاراتك، واقرأ وأبحث وأعمل رياضة، أكثر من الطاعات وطهر قلبك، واحفظ القرآن وتعلم العلوم النافعة لكي تنفع البلاد والعباد.
– ولا تعذب نفسك، زعلان على أبيك!، زعلان على أمك!، وزعلان على نفسك!، ومسوي زحمة والطريق فاضي!
– يا ولدي، لا تجعل عقلك في فرجك، ولا في شهوتك، ما تدري هذه التي تبكي عليها وتتعب بها وتتعذب لها قد تشقى بها حتى تريك النجوم في النهار والشمس في الليل، وتشقى بها شقيان تندم بزواجك منها، ومثل هذا موجود كثير بالواقع، حتى صارت لدي اليوم قناعة أن كل الزواجات التي بمثل حالتك تنتهي بانهيار ودمار، أو خلاف وشقاق مستمر، فما تدري عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم
– ارحم نفسك، وقدر عقلك، ولا تحقر رجولتك بالبكاء على من لا تعرف إن كانت لك أو ليست لك,
– واعتني بما ينفعك، قال رسول الله : “احرص على ما ينفعك واستعن بالله” وقال أيضا “إن لنفسك عليك حق ولجسدك عليك حق ولأهلك عليك حق ولرّبك عليك فاعط كل ذي حق حقه”
– قال: جزاك الله خيرا وبيض الله وجهك وجعل الله هذا الكلام في ميزان حسناتك والنور الذي ينجيك يوم القيامة، والله إنك كبرت عقلي وأول مرة أحد يكلمني بهذه الطريقة، كانت الناس تقول لي: اصبر واصبر واصبر وحاول وحاول وهذا الكلام كان يحسسني بالألم والتعب، وتعلقت بها أكثر، وأبشرك ذهب مِن نفسي كل الذي كنت أجد، وسوف أعتني بنفسي وعقلي وصحتي وفكري وأنساها كليا
– يا ولدي وقرة عيني، لا تعذب نفسك ولا تجعل قلبك علَّاقة، ولا تنهش روحك بفكرك بما سيكون غداً وبعد سنة وسنتين أو أكثر، أمامك سنوات لكي تعمل وتجمع المهر والنفقة لتتزوج من هذه المرأة أو غيرها، فلماذا تعيش اليوم بألم وأمل وهمّ وغمّ سنوات قادمة لن تستفيد شيئا منها، شوف كيف أنت مشغول عن نفسك وأهلك، ومشغول عن عقلك، ومشغول عن دينك، ومشغول عن صلاتك، ومشغول عن كل شيء، فقبح الله حباً و عشقًا اخسر فيه نفسي، ولا بارك الله في حب أكون ذليلا به، وأبعد الله ثم أبعد ثم أبعد من انشغِل بهِ عن نفسي
– قال: أشكرك، وأعتذر لك، وآسف جدا
– أقول لك لا عقل لك، تعتذر لي وتتأسف لي وقد ضررت نفسك وأهلكت عمرك! اعتذر لنفسك وتأسف لروحك فقد ظلمت نفسك والله يغفر لي ولك
One Comments
بارك الله فيكم وجزاكم كل خير
ما اروع الحوار البناء
الذي يقوم على الحوار الهادئ و مناقشة نفس ونفسية المستشير
حتى يصل هو الى النتيجة التى تخرج من قناعته بالحوار
بورك في جهودكم ودمتم سالمين